صديق الحسيني القنوجي البخاري
58
فتح البيان في مقاصد القرآن
أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، قاله قتادة ، فإن ضارب المثل يشبه حالا بحال وقصة بقصة . قال الزجاج : لا تجعلوا للّه مثلا فإنه واحد لا مثيل له ، وكانوا يقولون إن إله العالم أجلّ من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك وعلّل النهي بقوله : إِنَّ اللَّهَ علم يَعْلَمُ ما عليكم من العبادة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما في عبادتها من سوء العاقبة والتعرض لعذاب اللّه سبحانه أو أنه تعالى يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمون فدعوا رأيكم دون نصه . ويجوز أن يراد فلا تضربوا للّه الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ، أو أنتم لا تعلمون بشيء من ذلك ، وفعلكم هذا هو عن توهم فاسد وخاطر باطل وخيال مختل . وعن ابن عباس قال : يعني اتخاذهم الأصنام ، يقول لا تجعلوا معي إلها غيري فإنه لا إله غيري ، ثم علمهم كيفية ضرب الأمثال في هذا الباب فقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي ذكر شيئا يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه وبيّن ما جعلوه شريكا له من الأصنام ، والمثل في الحقيقة هي حالة للعبد عارضة له وهي المملوكية والعجز عن التصرف ، فقوله : عَبْداً تفسير للمثل وبدل منه ووصفه بكونه مَمْلُوكاً لأن العبد والحر مشتركان في كون كل واحد منهما عبدا للّه سبحانه ووصفه بكونه لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لأن المكاتب والمأذون يقدران على بعض التصرفات ، فهذا الوصف لتمييزه عنهما ، واحتج الفقهاء بهذا على أن العبد لا يملك شيئا . وَمَنْ أي الذي ، وقيل موصوفة ، واختاره الزمخشري كأنه قيل وحرا من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف شاؤوا رَزَقْناهُ ليطابق عبدا مِنَّا أي من جهتنا رِزْقاً حَسَناً والمراد به أنه مما يحسن في عيون الناس لكونه رزقا كثيرا مشتملا على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ في وجوه الخير ويصرف منه إلى أنواع البر والمعروف سِرًّا وَجَهْراً أي في حال السر وحال الجهر ، والمراد بيان عموم الانفاق للأوقات وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه وأن الثواب فيه أكثر . هَلْ يَسْتَوُونَ أي الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة ، وجمع الضمير لمكان مَنْ لأنه اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث ، وقيل إنه أريد بالعبد ، والموصول الذي هو عبارة عن الحر الجنس أي من اتصف بتلك الأوصاف من الجنسين ، والاستفهام للانكار أي هل يستوي العبيد والأحرار مع كون